في بيجين، حيث تتجاور القصور الإمبراطورية والمعابد العتيقة في لوحة حضارية تحكي قصة أمة تمتد جذورها لآلاف السنين، واصل الوفد الإعلامي الموريتاني برنامجه الاستطلاعي ضمن الدورة التدريبية المتخصصة الموجهة للإعلاميين ومسؤولي المؤسسات الصحفية من موريتانيا، التي ينظمها مركز التعليم والتدريب لمجموعة النشر والتوزيع الدولي الصينية. وقد قادت هذه الرحلة المعرفية أعضاء الوفد إلى أحد أهم المعالم الفكرية والثقافية في الصين، وهو معبد كونفوشيوس، الذي يمثل رمزا خالدا للمكانة التي احتلها العلم والتعليم في بناء الحضارة الصينية.
وخلال الزيارة، تلقى الوفد شروحا مفصلة حول تاريخ المعبد ودوره المحوري في ترسيخ الثقافة الكونفوشيوسية التي شكلت لقرون طويلة الأساس الفكري والأخلاقي للنظام التعليمي والإداري في الصين. وقد أتاح هذا المعلم التاريخي للإعلاميين الموريتانيين فرصة نادرة للتعرف على الجذور الفلسفية التي أسهمت في صياغة الشخصية الصينية وتوجيه مسيرتها الحضارية.
ويعد معبد كونفوشيوس في بيجين واحدا من أكبر وأشهر المعابد المخصصة لتكريم الفيلسوف الصيني العظيم كونفوشيوس، الذي ينظر إليه بوصفه المعلم الأول في تاريخ الصين وأحد أبرز المفكرين في تاريخ الإنسانية. وقد ظل اسمه مرتبطًا بقيم المعرفة والانضباط واحترام الأسرة والمجتمع، وهي المبادئ التي أثرت بعمق في الثقافة الصينية عبر العصور.
ومن أبرز ما يميز هذا الموقع التاريخي وقوعه إلى الغرب مباشرة من الجامعة الإمبراطورية القديمة، في ترتيب معماري يحمل دلالة رمزية عميقة؛ إذ كان المعبد يمثل فضاء لتبجيل كونفوشيوس والاحتفاء بإرثه الفكري، بينما كانت الجامعة المجاورة تمثل أعلى مؤسسة تعليمية في الإمبراطورية الصينية، حيث يتلقى الطلاب علومهم ويستعدون لخوض الامتحانات الإمبراطورية التي كانت بوابة الالتحاق بمؤسسات الدولة.
وقد شكل هذا المجمع التاريخي، منذ عهد أسرة يوان، المركز الأعلى للتعليم الكونفوشيوسي في الصين، حيث ارتبطت المناهج التعليمية والامتحانات الرسمية ارتباطا وثيقا بتعاليم كونفوشيوس، ما جعل المعبد والجامعة وجهين متكاملين لمنظومة فكرية وتعليمية أسهمت في إعداد أجيال من العلماء والإداريين الذين قادوا الدولة الصينية على مدى قرون.
وخلال الجولة، اطلع الوفد على النقوش الحجرية واللوحات التاريخية والأروقة التقليدية التي تخلد أسماء آلاف الطلاب الذين نجحوا في الامتحانات الإمبراطورية، والمكانة الرفيعة التي حظي بها العلم في الوعي الصيني القديم.
وفي سياق البرنامج الاستطلاعي ذاته، تعرف الوفد الإعلامي الموريتاني على تاريخ المدينة المحرمة، أحد أعظم المعالم الحضارية في الصين والعالم، والتي تمثل قلب الإمبراطورية الصينية القديمة ورمزا لهيبة الدولة عبر قرون متعاقبة. وقد شيدت المدينة المحرمة في مطلع القرن الخامس عشر بأمر من الإمبراطور يونغ له من أسرة مينغ، واستغرق بناؤها نحو أربعة عشر عاما، لتصبح المقر الرسمي للأباطرة ومركز الحكم الصيني لما يقارب خمسة قرون.
وتضم المدينة المحرمة أكثر من تسعمائة مبنى وآلاف الغرف والقاعات الفخمة، وتغطي مساحة تزيد على سبعين هكتارا، ما يجعلها أكبر مجمع قصور خشبي محفوظ في العالم. وكانت تعرف بهذا الاسم لأن دخولها كان مقتصرا على الإمبراطور وأسرته وحاشيته، فيما كان عامة الناس محرومين من دخولها إلا بإذن خاص.
ويتميز هذا الصرح المعماري الفريد بتصميم هندسي بالغ الدقة يجسد فلسفة الحكم الإمبراطوري الصيني، حيث تتوزع القصور والساحات وفق نظام رمزي يظهر مفاهيم السلطة والنظام والانسجام الكوني. كما تزخر المدينة المحرمة بكنوز فنية نادرة تشمل المخطوطات واللوحات والتحف الإمبراطورية التي توثق جانبا مهما من تاريخ الصين السياسي والثقافي.
وقد أدرجت المدينة المحرمة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، وأصبحت اليوم من أكثر المواقع استقطابا للزوار في العالم، حيث تستقبل ملايين السياح سنويا الراغبين في استكشاف عظمة الحضارة الصينية وثراء تراثها.





