ضمن فعاليات الدورة التدريبية المتخصصة الموجهة للإعلاميين ومسؤولي المؤسسات الصحفية من موريتانيا، التي ينظمها مركز التعليم والتدريب لمجموعة النشر والتوزيع الدولي الصينية، واصل الوفد الإعلامي الموريتاني برنامجه الاستطلاعي بمدينة ينتشوان، عاصمة منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوي، حيث قام بزيارة ميدانية إلى مركز التعاون الصيني وآسيا الوسطى لمكافحة التصحر، في محطة علمية وبيئية أبرزت حجم التحول الذي حققته الصين في مواجهة زحف الرمال والتغيرات المناخية.
وقد حظي الوفد باستقبال من طرف القائمين على المركز، الذين قدموا شروحا مفصلة حول التجربة الصينية الرائدة في مكافحة التصحر، والجهود العلمية والتقنية المبذولة لتحويل الصحارى القاحلة إلى فضاءات خضراء قادرة على دعم التوازن البيئي وتحقيق التنمية المستدامة.
وخلال الزيارة، تعرف الوفد على قصة صحراء تاكلاماكان، إحدى أكبر الصحارى وأكثرها جفافا في العالم، والتي كانت لعقود طويلة تمثل “فراغا بيولوجيا” هائلا، حيث كانت الكثبان الرملية المتحركة تمتد بلا نهاية، وسط ظروف مناخية قاسية تكاد تمنع أي شكل من أشكال الحياة النباتية.
غير أن المشهد بدأ يتغير منذ عام 1978، عندما أطلقت الصين مشروع “الجدار الأخضر العظيم”، المعروف رسميا ببرنامج حماية الغابات الثلاثية الشمالية، بهدف تثبيت الكثبان الرملية، والحد من التصحر، وحماية المناطق الزراعية والسكان من العواصف الرملية والتدهور البيئي.
وأوضح المشرفون على المركز أن هذا المشروع العملاق أسفر، على مدى عقود، عن زراعة أكثر من 66 مليار شجرة على طول آلاف الكيلومترات في شمال الصين، مع خطط مستقبلية لزراعة مليارات الأشجار الإضافية خلال السنوات القادمة، ما جعل محيط صحراء تاكلاماكان محاطا بحزام أخضر واسع ساهم في تثبيت الرمال ورفع نسبة الغطاء النباتي بشكل غير مسبوق.
كما استعرض الخبراء أمام الوفد نتائج الدراسات البيئية التي أكدت أن مشاريع التشجير ساعدت على رفع معدلات هطول الأمطار في المناطق المحيطة بالصحراء، وزيادة امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وتحويل أجزاء واسعة من الصحراء إلى ما يعرف بـ”المصارف الكربونية”، وهي مناطق تمتص الغازات المسببة للاحتباس الحراري بدل إطلاقها.
وأكد القائمون على المركز أن التجربة الصينية أصبحت اليوم نموذجا عالميا في مجال مكافحة التصحر والتغير المناخي، وألهمت مشاريع بيئية مماثلة في عدة مناطق من العالم، من بينها مشروع “الجدار الأخضر الأفريقي”، الذي يهدف إلى الحد من التصحر في القارة الأفريقية عبر زراعة آلاف الكيلومترات من الأشجار.
وفي الوقت ذاته، لم يغفل العرض التحديات التي تواجه المشروع، خاصة ما يتعلق بالحفاظ على التنوع البيولوجي وتوفير الموارد المائية اللازمة لاستدامة الغطاء النباتي، حيث أشار المختصون إلى أن نجاح هذه المشاريع يتطلب توازنا دقيقا بين التدخل البشري واحترام الخصائص الطبيعية والبيئية لكل منطقة.
وشكلت الزيارة فرصة مهمة للوفد الإعلامي الموريتاني للاطلاع عن قرب على واحدة من أبرز التجارب البيئية في العالم، وفهم الدور الذي يمكن أن تلعبه التكنولوجيا والتخطيط طويل المدى في تحويل التحديات المناخية إلى فرص للتنمية وحماية البيئة.
كما أبرزت الزيارة حرص الصين على تعزيز التعاون البيئي والعلمي مع الدول الشريكة ضمن مبادرة الحزام والطريق، وتبادل الخبرات في مجالات التنمية الخضراء، ومكافحة التصحر، وحماية النظم البيئية، بما يخدم مستقبل التنمية المستدامة على المستوى العالمي.





