الصين.. حين يتحول الحلم إلى قوة تقود العالم

بواسطة ediwan

خلال زيارتي الأخيرة للصين، كانت المشاهدات الحية كافية لاستيعاب حجم الواقع؛ فالوقوف على أرض الصين يمنحك شعورا مباشرا بأنك تسافر عبر الزمن إلى المستقبل. لقد أتيحت لي الفرصة لأرى عن قرب تجسيدا حيا للتطور الهائل الذي طرأ على جميع أصعدة الحياة هناك، وهو تطور يتجاوز حدود الوصف التقليدي ليصبح نموذجا مذهلا للتفوق البشري والتنظيمي.


في المدن الصينية الكبرى، تدرك فورا أنك أمام نهضة شاملة؛ ناطحات السحاب الشاهقة ذات التصاميم المستقبلية تعانق السماء، بينما تحتها تتدفق الحياة اليومية بسلاسة فائقة بفضل شبكات النقل الذكية، والقطارات فائقة السرعة التي تربط أطراف هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف في قفزات زمنية قياسية. على الصعيد التكنولوجي واليومي، اختفت العملات الورقية ليحل محلها اقتصاد رقمي متكامل يدار بلمسة زر عبر الهواتف الذكية، من أصغر المتاجر الشعبية إلى أكبر الشركات العالمية. وما يثير الدهشة حقا، هو ذلك التناغم العجيب على الصعيد البيئي، حيث تلحظ انتشارا كثيفا للمساحات الخضراء والحدائق الذكية والسيارات الكهربائية الصامتة في قلب الحواضر الصناعية الكبرى، مما يثبت أن النهضة الصينية ركزت على جودة الحياة الإنسانية وجعلتها غايتها الأولى.


هذا التطور الذي يلامس كل تفصيل من تفاصيل الحياة الاجتماعية الاقتصادية هو نتاج إرادة شعب دؤوب وتخطيط قيادة واعية. وعندما تحدث نابليون بونابرت ذات يوم عن الصين، قال مقولته الشهيرة: «دعوا الصين تنام، فإنها إذا استيقظت ستهز العالم»
اليوم، في القرن الحادي والعشرين، تحولت الصين إلى قوة عظمى تقود قطار الحداثة والابتكار العالمي، متمثلة في مرحلة جديدة تعرف بـ "العصر الجديد" تحت قيادة الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي يقف كمهندس لهذه الرؤية المستقبلية، مستنهضا همم أمة بأكملها عبر فلسفة "الحلم الصيني" .


1. فلسفة الحلم الصيني: إحياء الأمة العظيمة
منذ توليه قيادة الحزب الشيوعي الصيني والدولة، طرح الرئيس شي جين بينغ مفهوم "الحلم الصيني" كبوصلة للمستقبل. هذا الحلم يشمل الرفاهية المادية، والنهوض القومي الشامل، واستعادة الصين لمكانتها التاريخية المستحقة كمنارة للحضارة الإنسانية.
يقول الرئيس شي جين بينغ في أحد خطاباته التاريخية:
«إن تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية هو أعظم حلم للشعب الصيني في العصر الحديث. هذا الحلم هو حلم التاريخ، وحلم اليوم، وحلم كل صيني.»
يتألف الحلم الصيني من شقين أساسيين يعرفان بأهداف المئويتين:
1. المئوية الأولى (2021): بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل بمناسبة مئوية تأسيس الحزب الشيوعي الصيني وقد تحقق ذلك بالقضاء التام على الفقر المدقع.
2. المئوية الثانية (2049): تحويل الصين إلى دولة اشتراكية حديثة وقوية ومزدهرة وديمقراطية ومتحضرة ومتناغمة بمناسبة مئوية تأسيس جمهورية الصين الشعبية.
هذا الحلم تحول إلى خطة عمل وطنية استنهضت همم أكثر من 1.4 مليار إنسان، ليعملوا كجسد واحد لتحقيق غاية أسمى، وهو ما يفسر التطور الملموس الذي يراه كل زائر للصين اليوم.


2. معجزة القضاء على الفقر: الإنسان أولا
لا يمكن التحدث عن النهضة الصينية دون التوقف إجلالا أمام أكبر إنجاز إنساني في التاريخ الحديث: القضاء على الفقر المدقع. نجحت الصين في انتشال ما يقرب من 800 مليون شخص من براثن الفقر خلال العقود الأربعة الماضية، وهو ما يمثل حوالي 70% من جهود الحد من الفقر على مستوى العالم.


وفي عهد الرئيس شي جين بينغ، تم تبني إستراتيجية تخفيف الفقر بدقة واستهداف محدد. شملت الجهود تطوير البنية التحتية، وتوفير التعليم، والرعاية الصحية، وخلق فرص العمل في أعمق القرى الصينية عزلة، مما جعل الريف الصيني اليوم يواكب المدن الكبرى في الخدمات اللوجستية والتكنولوجية.
يؤكد شي جين بينغ دائما على أن الشعب هو أساس الدولة، ويقول:
«إن تطلعات الشعب إلى حياة أفضل هي هدف كفاحنا. لا ينبغي ترك أي منطقة فقيرة أو أي شخص فقير في الخلف في مسيرتنا نحو بناء مجتمع رغيد الحياة.»
وعندما أعلن رسميا نجاح الصين في القضاء على الفقر المدقع، وصف هذا الإنجاز بأنه «معجزة ستسجل في التاريخ»، مشيرا إلى أن قوة الصين الحقيقية تكمن في قدرتها على رعاية مواطنيها وتوفير الحياة الكريمة لهم.


3. النهضة الاقتصادية: من مصنع العالم إلى مختبر العالم
عقود طويلة مضت والصين تعرف بأنها "مصنع العالم" الذي ينتج السلع الكثيفة. التطور الحديث في عهد شي جين بينغ أحدث تحولا جذريا؛ حيث انتقلت الصين نحو اقتصاد قائم على الابتكار، والجودة العالية، والتكنولوجيا المتقدمة.
اليوم، تقود الصين العالم في مجالات الذكاء الاصطناعي، شبكات الجيل الخامس والسادس (5G و 6G)، الطاقة المتجددة، السيارات الكهربائية، والقطارات فائقة السرعة، بالإضافة إلى برنامجها الفضائي الطموح الذي وصل إلى القمر والمريخ.


وفي هذا السياق، يشدد الرئيس شي على أهمية الابتكار المستقل كركيزة للأمن القومي والاقتصادي، حيث يقول:
«إن الابتكار هو المحرك الأول لقيادة التنمية. يجب أن نمسك بالتكنولوجيا الأساسية بأيدينا، لأن التقنيات الرئيسية لا يمكن شراؤها أو استجداؤها.»
ومن خلال مبادرات مثل صنع في الصين، تحولت البلاد إلى مركز عالمي للبحث والتطوير، مما جعل الشركات الصينية العملاقة منافسا شرسا لأعرق الشركات الغربية ومحركا أساسيا للاقتصاد الدولي.


4. مبادرة الحزام والطريق: صياغة عولمة جديدة بديلة
مدت الصين يدها إلى العالم عبر أضخم مشروع بنية تحتية واستثمار في التاريخ البشري: مبادرة الحزام والطريق (BRI) . هذه المبادرة التي أطلقها شي جين بينغ تعيد إحياء طرق الحرير القديمة برا وبحرا، لتربط آسيا والعالم العربي وإفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية عبر شبكات من السكك الحديدية، والموانئ، والطرق، ومشاريع الطاقة.
تطرح الصين من خلال هذه المبادرة مفهوما جديدا للعولمة يقوم على الكسب المشترك والتنمية الشاملة، متجاوزة أنماط العولمة الغربية التقليدية لحساب نظام يخدم مصالح الجميع.
يقول الرئيس شي جين بينغ موضحا جوهر المبادرة:
«مبادرة الحزام والطريق مبادرة مفتوحة وشاملة للجميع. نحن نسعى لبناء حديقة مشتركة لجميع الدول.»


5. البيئة والتنمية الخضراء: نحو الصين الجميلة
وضعت الرؤية الحديثة للنهضة الصينية حماية البيئة في مقدمة الأولويات، متبنية مفهوم الحضارة الإيكولوجية، وهو ما يلحظه أي زائر بوضوح في جودة الهواء ونظافة المدن والاعتماد الهائل على الطاقة النظيفة. تلتزم الصين اليوم بالوصول إلى ذروة انبعاثات الكربون وقبل تحقيق الحياد الكربوني، وتستثمر في الطاقة المتجددة بشكل واسع.
وقد صاغ الرئيس شي جين بينغ هذه الفلسفة البيئية في مقولة شهيرة رددها في محافل محلية ودولية متعددة:
«إن المياه الخضراء والجبال الزرقاء هي جبال من ذهب وجبال من فضة.»
تعكس هذه العبارة البليغة تحولا فكريا عميقا؛ فحماية البيئة والطبيعة تدعم التنمية الاقتصادية المستدامة للمستقبل وللأجيال القادمة.


6. الحوكمة ومكافحة الفساد: تنظيف البيت من الداخل
ركيزة أخرى في نهضة الصين الحديثة وهي صلابة الحوكمة الداخلية. أطلق الرئيس شي جين بينغ أوسع وأشرس حملة لمكافحة الفساد في تاريخ الصين الحديث، استهدفت الفاسدين دون تمييز لضمان استمرار النهضة الاقتصادية والتكنولوجية.


وقد لخص الرئيس شي هذه الإستراتيجية الصارمة بمقولته الشهيرة:
«يجب علينا ضرب النمور والذباب في نفس الوقت.»
والمقصود بالنمور هم كبار المسؤولين والقادة النافذين، بينما الذباب هم صغار الموظفين في الأقاليم والبلديات. أدت هذه السياسة إلى تعزيز ثقة الشعب الصيني في قيادته السياسية، وضمان توجيه موارد الدولة نحو التنمية الشاملة التي تظهر معالمها في كل زاوية من زوايا البلاد.


7. مجتمع ذو مستقبل مشترك للبشرية: رؤية للصداقة الدولية
تقدم الصين رؤية للنظام العالمي تقوم على التعددية والشراكة. طرح الرئيس شي جين بينغ مفهوم "بناء مجتمع ذو مستقبل مشترك للبشرية" ، وهو المفهوم الذي تم إدراجه في وثائق الأمم المتحدة الرسمية. وترى الصين أن تحديات العصر البشري الحاضر تتطلب العمل الجماعي.
يقول شي جين بينغ في هذا الصدد:
«لا توجد دولة يمكنها التعامل مع التحديات المختلفة التي تواجه البشرية بمفردها، ولا يمكن لأي دولة أن تنغلق على نفسها في جزيرة معزولة. إن البشرية تعيش في قرية عالمية واحدة، ونحن نتشارك في السراء والضراء.»
هذه الرؤية تعكس الثقة بالنفس التي تتمتع بها الصين اليوم؛ فهي تقدم نفسها كشريك تنموي يحترم خصوصيات الدول وثقافاتها ودون التدخل في شؤونها الداخلية، داعية إلى التنمية والسلام.


8. الخصوصية الثقافية: النهضة والتحديث الأصيل
تثبت النهضة الصينية للعالم أن التحديث يتحقق بالاعتماد على الجذور الوطنية. نجحت الصين في بناء نموذج تنموي فريد يجمع بين الآليات الاقتصادية الحديثة وبين الثقافة الكنفوشيوسية العريقة والاشتراكية ذات الخصائص الصينية.


تفتخر الصين المعاصرة بإرثها الحضاري الممتد لآلاف السنين، وتعتبره مصدر قوتها الناعمة والصلبة معا. يقول الرئيس شي جين بينغ مؤكدا على هذا التميز:
«إن الأحذية يجب أن تناسب القدمين؛ وبالمثل، فإن نظام الدولة وطريق تنميتها يجب أن يناسبا ظروفها الوطنية وطبيعة شعبها.»


هذا التمسك بالهوية الثقافية والخصوصية الوطنية منح التجربة الصينية استقرارا داخليا كبيرا، وحماها من الهزات السياسية والاجتماعية عبر تبني نموذج وطني خالص يتوافق مع بيئتها المحلية.


خلاصة: معالم الطريق نحو المستقبل
إن النهضة الصينية الشاملة والتطور الهائل الذي يلمسه كل من يزور هذا البلد اليوم هو مسار مدروس وعمل دؤوب تضافرت فيه الرؤية السياسية الثاقبة للقيادة مع عزيمة شعب يصنع المستحيل. تحت قيادة الرئيس شي جين بينغ، وصلت الصين بكل ثقة إلى مرحلة الاصطفاف في صدارة الأمم.


من خلال التوازن الدقيق بين التطور التكنولوجي الفائق، والالتزام بالبيئة الخضراء، ومد جسور التعاون الدولي عبر مبادرة الحزام والطريق، تقدم الصين نموذجا ملهما لكافة الدول الساعية إلى تحقيق التنمية والسيادة الوطنية مع الحفاظ على هويتها.


ونختتم بما يؤكده دائما الرئيس شي جين بينغ في خطاباته الاستشرافية، واصفا مسيرة بلاده الحتمية نحو المستقبل:
«إن عجلة التاريخ تتقدم دائما، وهي لا تنتظر المترددين أو المتكاسلين. فقط من يسيرون مع العصر ويتنفسون مع الشعب، هم من يكتبون المستقبل العظيم للأمة.»


لقد استيقظ التنين الصيني ليقود مع الإنسانية فصلا جديدا من فصول الحضارة، والازدهار المشترك، والسلام القائم على التنمية والابتكار.

 

بقلم الصحفي بالوكالة الموريتانية للأنباء محمد الأمين آدن "البراء"